بصحبةِ النفس
ما ذقت الوحدة في حضور نفسي قطّ، فإني أزهو بها، وألوذ إليها، وأسعد بصحبتها، وأحبّ تجلّيات وجدانها، ويحييني اكتشاف أقاليمها.
وإني لا أمانع الكآبة إن زارتني، ولا أضيق بالضجر إن ألمّ بي، فكلُّ شيءٍ يهون ما دمت بمعزلٍ عن الورى، سليم القلب، هادئَ البال، في دار قرارٍ ألِفتُها، مع نفسٍ عشقتها بحلوها ومرّها، وروحٍ ما زلت أجهل أمرها.
وبجوار نافذةٍ تطلّ على ما تطلّ، يزورني نسيمٌ لطيف، ونغمٌ بديع.
وعلى حافتها، بين حينٍ وحين، تحطّ الطيور لتستريح، فتؤنسني رفقتها، فأعكف أتأملها، بينما ينساب عطر القهوة في الأرجاء، وينفذ عبقها إلى خياشيمي، وتداعب أذني بلبلتها، بعد ان تجانست مع ترانيم الطيور، فغدت سيمفونيةً لا يعزفها إنسان.
وعلى الطاولة بجواري، كتبٌ متناثرة، اختارتها أمزجتي المتباينة، تحوي في طيّاتها كلماتِ السائرين على الأرض، والراقدين في القبور، والهامدين بينهم.
فأعكفُ على قراءتها حتى المغيب، بينما يتسلّل الظلام من زوايا الغرفة الضيّقة، رويدًا رويدًا، حتى يغشاها، فيعمّ الصمتُ والسكون أرجاءها…
“فَاِهرُب بِنَفسِكَ وَاِستَأنِس بِوِحدَتِها
تَبقى سَعيداً إِذا ما كُنتَ مُنفَرِدا”
الإمام الشافعي رحمه الله
“الربيع – داخل مرسم الفنان”
للفنان البولندي ليون فيتشولكوفسكي (Leon Wyczółkowski)

